ابن بسام

29

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ودخل [ 1 ] يوما صاعد على المنصور في يوم مطير ، وعليه ثياب جدد وخفّ طريّ ، فمشى على حاشية الصهريج لازدحام من حضر فزلق وسقط في الماء ، فضحك المنصور وأمر بإخراجه ، وكاد البرد يأتي عليه . فلما نظر إليه [ 38 ] أمر بخلع ثياب له ، وأدنى مجلسه ، ثم قال له : يا أبا العلاء هل قلت في سقطتك شيئا ؟ فأطرق ثم قال : شيئان كانا في الزّمان غريبة * ضرط ابن وهب ثم زلقة [ 2 ] صاعد فاستبرد ما أتى به ؛ وكان الكاتب أبو مروان الجزيريّ حاضرا ، فقال له : يا أبا العلاء هلّا قلت : سروري بغرّتك المشرقة * وديمة راحتك المغدقة ثناني نشوان حتى هويت * في لجة البركة المطبقة لئن ظلّ عبدك فيها الغريق * فجودك من قبل ذا أغرقه فقال له المنصور : للّه درّك يا أبا مروان ، قسناك بأهل العراق ففضلتهم فبمن تقاس بعد ! فأنهض الجزيريّ للشرطة . وقد فرّق [ 3 ] حذّاق النّظر بين البديهة والارتجال ، فجعلوا الارتجال ما كان على طريق الانهمار والتدفّق لا يتوقّف فيه قائله ، كالذي وقع للفرزدق إذ أمره سليمان بن عبد الملك بضرب عنق أسير رومي ، ودسّ إليه بعض بني عبس سيفا كهاما فنبا حين ضرب به ، وضحك سليمان ، فقال الفرزدق [ 4 ] : فإن يك سيف خان أو قدر أبى * لتأخير نفس حينها [ 5 ] غير شاهد فسيف بني عبس وقد ضربوا به * نبا بيدي ورقاء [ 6 ] عن رأس خالد كذاك سيوف الهند تنبو ظباتها * ويقطعن أحيانا مناط القلائد ولو شئت قطّ السيف ما بين أنفه * إلى علق دون الشراسيف جاسد

--> [ 1 ] نفح الطيب 3 : 59 ، والمغرب 1 : 322 . [ 2 ] النفح : رقعة . [ 3 ] متابع للعمدة 1 : 189 . [ 4 ] انظر إلى جانب العمدة : طبقات ابن سلام : 400 ، والنقائض : 384 . [ 5 ] ابن سلام : حتفها . [ 6 ] هو ورقاء بن زهير بن جذيمة العبسي ، ضرب خالد بن جعفر بن كلاب فلم تؤثر فيه الضربة .